مجد الدين ابن الأثير

64

المختار من مناقب الأخيار

عنه ، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة ، وقد كان ذبح للعباس فرخان ، فلما وافى الميزاب صبّ ماء بدم الفرخين ، فأصاب عمر ، فأمر بقلعه . ثم رجع وطرح ثيابه ولبس ثيابا غير ثيابه ، ثم جاء فصلّى بالناس ، فأتاه العباس وقال : إنه للموضع الذي وضعه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . فقال عمر للعباس : وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ففعل ذلك العباس « 1 » . ومن كلامه رضي اللّه عنه : قال حميد بن هلال : حدثنا من شهد وفاة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فلما فرغ عمر من دفنه ، نفض يده عن تراب قبره ، ثم قام خطيبا مكانه فقال : إنّ اللّه ابتلاكم بي وابتلاني بكم ، وأبقاني فيكم بعد صاحبيّ ، واللّه لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني ، ولا يتغيّب عني فآلو فيه عن أهل الجزأة « 2 » والأمانة ، ولئن أحسنوا لأحسننّ إليهم ، ولئن أساءوا لأنكّلنّ بهم . قال الراوي : فو اللّه ما زال على ذلك حتى فارق الدنيا رضي اللّه عنه « 3 » . وقال الحسن : إنّ أول خطبة خطبها عمر رضي اللّه عنه ، حمد اللّه تعالى وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي ، وخلّفت فيكم بعد صاحبيّ ، فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ، ومهما غاب عنّا ولّيناه أهل القوة والأمانة ، فمن يحسن نزده ، ومن يسئ نعاقبه ؛ يغفر اللّه لنا ولكم « 4 » .

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1 / 210 وغيره ، انظر طبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط 3 / 309 . ( 2 ) كذا في ( أ ، ل ) وفي طبقات ابن سعد وتاريخ ابن عساكر « أهل الجزء » ، وفي المختصر : « أهل الخير » ؛ والجزء والجزأة : الكفاية . اللسان ( جزء ) . ( 3 ) أخرجه ابن عساكر ( المختصر 18 / 314 ) . ( 4 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / 274 ، وابن عساكر في تاريخه 53 / 224 -